الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

511

مناهل العرفان في علوم القرآن

فعل العبد في أمثال أمره . ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه ، لأنهم لم يكلفوه . وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلفهم إياه لأنه من أسرار القدر أو يكاد ، والعقل البشرى محدود التفكير ضعيف الاستعداد . ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه . « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » . « لم يمتحنّا بما تعيا العقول به * حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم » واجبنا إزاء الخلافيات ليس من شأني هنا أن أفصل القول في هذه المسألة ولا في أشباهها ، فلهذا التفصيل علم آخر . إنما هو ضرب من التمثيل ، نجتزئ فيه بالقليل ، لنخلص منه بعظة مهمة : هي أن المسلمين لا يجوز لهم أن ينقسموا شيعا وأحزابا لأمر ليس من الدين ، فضلا عن أن يكون من أصول الدين ، وإذا التمسنا المعاذير لخوض من خاضوا أو يخوضون فيه دفعا لشبهات المشتهين أو ضلال المضلين ، فلن نستطيع التماس عذر واحد لمن شنوها حربا شعواء بينهم وبين إخوانهم في الدين . وما كان لهم أن يخرجوا من مثل هذا البحث أعداء متخاذلين ، وقد كانوا بالأمس إخوانا متفاهمين متعاونين . وإذا فلنستمسك بالعروة الوثقى ، ولنفسح صدورنا للخلافيات ما دام صدر الإسلام قد وسعها . ولنعلم أنّ الإسلام أوسع من المذاهب والآراء . ولئن ضقت ذرعا برأي أخيك اليوم فقد ترى أنت رأيه غدا عندما تقتنع بوجهة نظره . فقد رجع كثير من أعلام الأئمة عن آراء رأوها ، بل عن مذاهب كانوا قد ذهبوا إليها . ولعلك لا تجهل أن للشافعي مذهبا قديما ومذهبا جديدا ، وأن الخلاف في لواحق العقائد والأصول ، كثير الشبه بالخلاف في الأحكام والفروع . لهذا كله تراني لا أذهب مع الذاهبين في تضليل المعتزلة وتسفيه أحلامهم ونبزهم